إلى كل مهموم ومبتلى

رسالة من راسل

أنا وأهل بيتي قد أُصبنا في بداية زواجنا بـ #سحرشديد، وقد ابُتلينا به ربما مع العقد، وكانت أمورنا قبله على ما يُرام، فارتحلنا بعد زواجنا بأسبوعين؛ علّنا نجد بُغية الشفاء هنالك عند بعض من يعالجون بالقرآن..

ومن عجائب أقدار الله أنني وفي غمرة همومي التي لفتني ركبت مع سائق من عوام الناس، لا يبدو عليه أثر التزام؛ فأراد أن يقطع الطريق بحديث كنت أظنه للتسلية، ولم أدر أنه رسالة الله إليّ..

فجأة وبدون مقدمات وجدت السائق يلتفت إليّ ويقول: تعرف يا شيخ.. مفيش غير إن الواحد يقرّب من ربنا.

قلت: صدقت.. وقفز في رأسي أن الرجل يجاملني ليساير هيئة المشيخة ( اللحية)

وقال: دعني أقصّ عليك قصتي.

قلتُ – متململًا وأنا لا أكاد أبصر من الهمّ – : تفضّل اقصص.

قال بمسكنة وخشوع بالغ وصلني صدقه : أنا رجل فقير على باب الله، أعمل على هذه السيارة بالأجرة..

ليس لي في الدنيا أحد.. ولي جيران أشرار يؤذونني، وفيهم بلطجة وإجرام، لا أكاد أجرؤ أن أقف لهم.

وقد سحروني يا شيخ، فنالت مني الأمراض من كل جانب، ونهشني الهمّ كما تنهش السباع الجائعة فريستها..

ووقف حالي تمامًا، ولم أعد أقوى على العمل.. ضاقت بي الدنيا – على رحابتها – من كل جانب.. وفكرتُ في الانتحار.

ولم أكن أدري أنني مسحور.. ودُرت على الأطباء، فاستنزفوا مالي الزهيد حتى لم يعد لي شيء أتبلّغ بعض أيسر المطالب، ولم تلح في الأفق بشارات الشفاء، ولا حتى أمارات كنه الداء..

وفي ليلة هتف بي هاتف أن قم فصلِّ وتضرّع لربّك.. فتوضأت وصليت ركعتين..

بكيتُ فيهما كما لم أبكِ من قبل.. أطلت السجود.. أطلقت العبرات والزفرات والآهات.. ناجيت الله طويلا.. شكوتُ إليه ضعفي وفقري ومسكنتي وحاجتي وكسر قلبي.. ثم غلبني النوم على سجادة الصلاة فنمت..

ثم رأيتُ في نومي من يعقد على قافيتي عُقد السحر، فإذا هم جيراني هؤلاء.. ورأيت كأنما أطعموني طعامًا كمثل اللحم الأسود المتفحم، قد دسُّوا فيه السحر، وسقوني شرابًا أصفر غمسوا فيه السحر..

فاستفقت على جسدي يرتعد، فهرعت إلى الصلاة مجدّدًا.. فصليت ركعتين أخريين كمثل الأوليين أو أحسن..

زاد بكائي وتضرعي.. ( عيطت يا شيخ زي الأطفال)

قلت: يا رب ليس لي في هذا الوجود أحد سواك.. وليس لي طاقة على السفر إلى المشايخ للرقية، ولا مال عندي لزيارة الأطباء، وأنت رب العالمين بيدك الشفاء، بابك أقرب الأبواب، وسببك أيسر الأسباب.. وأثناء الصلاة شعرت برغبة جارفة لدخول الخلاء..

 فأوجزت في صلاتي.. ودخلت الحمام.. فإذا هو إسهال شديد لم أر مثله من قبل، حتى لقد صفّاني تصفية.. ثم وجدتني أتقيأ كل ما في بطني، فإذا هي أشياء تشبه اللحم الأسود الجامد، وشراب لونه أصفر، كالذي رأيته في رؤياي على سجادة الصلاة..

ثم شعرت بعد ذلك براحة غريبة، كأن جبلا عظيما انزاح من على صدري.. صرتُ أتنفس وأحس بدماء العافية تسري في عروقي… أيقنتُ أنها علامة الشفاء والعافية.

تعمدتُ أن أرحل من المكان وألا أخبر أحدًا بما حدث كيلا يُجدّدوا السحر لي، وأنا بحمد الله بين يديك أرتع في مراح العافية.. وعاد لي نشاطي، وتيسّرت أموري، وانفتحت لي مغاليق أسباب الرزق، والحمد لله وحده.

استمعت إلى قصته وقد اعتراني الذهول.. لماذا يقصّ عليّ هذا الرجل قصته، ولماذا فتح معي هذا الموضوع..

رأيتُ أنها رسالة الله إليّ أن اسلك هذا السبيل.. وإيّاك والتعلق بأسباب البشر، وتعلّق بربّ البشر.

هذا العامي برهن بجلاء عن عقيدة التوحيد بلا كثير تعقيد، ومارس العبودية حين تفجرت بالحقيقة فطرته كأرقى ما تكون الممارسة..

وأنا الذي أدرِّس الناس العقيدة غارق إلى شحمة أذني في مستنقع الهموم ولم أبصر الطريق!

كان هذا الرجل طوق نجاة انتشلني الله بفضله مما أنا فيه..

فعزمتُ أن أُجرّد التوحيد، وأمارس وظيفة العبودية، دون أن أتورّط في تجريب ربي؛ فإنّ الرّبّ جلّ وعلا لا يُجرّب.

ادخل على ربّك باليقين..

نعم.. اليقين..

اليقين في رب كريم قادر..

اليقين في اليسر بعد العسر..

اليقين في الفرج بعد الضيق.

وإياك والاشتراط على الله، فما يليق بالمحتاج أن يشترط على الغني!

ثم إياك والعجلة؛ فإن الله يبتلي بالتأخير؛ ليخرج ضغائن الصدور، وإنه سبحانه لا يعجل بعجلة أحد.

سرت كسيرة الرجل؛ فلم يمرّ بعدها أسبوع حتى لاحت تباشير الفجر، وتفتحت زهور الفرج، وأينعت ثمار الصبر، وانفك السحر في قصة أكثر غرابة من قصة ذاك الرجل.

واليوم.. إذا قلتَ للناس: هذا مسار العلاج لكل أدوائكم وهمومكم = امتعضوا وزهدوا وتأفّفوا..

أتدرون لماذا؟

إنهم يريدون علاجا سحريا كضغطة زر ثم يلوح بعده الشفاء من كل الداء.. في عصر السرعة صار الناس يستعجلون كل شيء؛ يتعلّقون بكل شيء إلا من تعلقهم بالله، برقية أو براقٍ، وكلما ازداد تعلقهم بالبشر، تأخرت عنهم الإجابة.

وإذا أقبلوا على الله؛ أقبلوا عليه مُجرّبين ممتحِنين، أو أقلبوا عليه شاكّين مترددين؛ فيتأخر مرادهم، ثم يزعمون أنهم أقبلوا، وما أقبلوا..

هذا هو بيت قصيد المسار، وقطب رحاه، وعمود خيمته..

ثم لا مانع – مطلقا – من الرقية والأذكار والبقرة وزيت الزيتون وماء زمزم والفاتحة وحبة البركة والسدر.. فهو خير ينضاف لهذا الخير.

ولما قيل لبعضهم: كان عمر بن الخطاب يرقي بالفاتحة فيكون الشفاء..

فقال الحصيف: هذه الفاتحة.. ولكن أين عمر؟

يقصد لابد من يقين عمر.. وإيمان عمر.

وكما قال ابن القيم بمعناه: الدعاء سيف ماضٍ، ولكل سيف ضارب، وعلى قدر قوة ساعد الضارب يكون القطع.

فأين عمر؟ وأين الضارب؟

إلى كل مهموم ومبتلى: أقبل على الله على أقدام الذل والانقياد والانكسار، واسكب دموع الخوف والرجاء، واصدق في لهجة الدعاء والالتجاء = يكن لك ما أردت، فخزائن الله ملأىٰ لا تغيضها النفقة، ويده سحّاء الليل والنهار.

Leave a Comment

Your email address will not be published.